توالت السنوات لا كأيام، بل كطفرات عملاقة، قذفت بـخيري نحو الثلاثين. لم يعد ذلك الشاب الطموح فحسب، بل صار رجل أعمال ببدلة أنيقة وعقل لا ينام. كان نجاحه في تأسيس شركة شحن وتوزيع صغيرة – اعتمد فيها على الروابط التي بناها في حارة “الورد” – بمثابة أغنية فخر تتردد في قلب محمود ووردة.
في أحد ليالي الشتاء الباردة، كان خيري في مكتبه الزجاجي الصغير، يقلب أرقام السنة الجديدة، بينما في الأسفل، كانت بقالة وردة تضيء الشارع كمنارة دافئة. لم ينس خيري جذوره أبداً؛ كان يصر على قضاء ساعة كل صباح لمساعدة والده، يراقب كيف لا تزال يد محمود المرتعشة تزن الجبن الأبيض وكيف لا تزال ضحكة وردة تملأ المكان.
لكن المستقبل المشرق كان يلقي بظلاله الخاصة.
في ذلك المساء تحديداً، وصل إنذار رسمي إلى الشركة. لم يكن مجرد إشعار روتيني. كان رسالة من “المجموعة الفولاذية”، شركة شحن وتوزيع عملاقة تديرها عائلة قوية تُعرف بـ**”آل سالم”**. مضمون الرسالة كان واضحاً وموجعاً: إنذار قانوني بوقف استخدام خيري لمسار شحن محوري بين المدينة والبلدات المجاورة، مدّعين ملكيتهم الحصرية له. هذا المسار كان شريان الحياة لشركة خيري الناشئة.
أزمة غير متوقعة:
أدرك خيري فوراً أن الأمر ليس مجرد خلاف قانوني؛ إنها حرب تكسير عظام من “آل سالم” للقضاء على أي منافس صغير. كان عليهم الاختيار: إما الرضوخ والانهيار أو المواجهة والمخاطرة بكل شيء.
في اليوم التالي، أثناء جلوسهم في غرفة المعيشة، أخبر خيري والديه. كانت ردة فعل محمود غير متوقعة. لم يبدِ قلقاً بقدر ما بدا عليه الغضب المكتوم والحذر القديم.
”آل سالم… هل قلت آل سالم يا خيري؟” سأل محمود بصوت هامس ثقيل، وقد توقف فجأة عن تلميع إطارات نظارته.
“نعم يا أبي، إنهم يحاولون خنقي. ما الأمر؟ هل تعرفهم؟”
“الورود لا تنبت في أرضهم يا ولدي. هناك قصص قديمة… صفقة لم تتم… أو ربما دين لم يُسدد.” تنهدت وردة ببطء، ونظرت إلى محمود بعينين تحملان عتاباً خفياً لم يفهمه خيري. “محمود، ألم تتعهد أن هذه الصفحة طُويت؟”
الكشف الأول (الصراع القديم يطارد الحاضر):
هنا، كان على محمود أن يعترف: لم يكن لقبه القديم “محمود الباشا” مجرد لقب لتاجر بقالة، بل كان يوماً ما شريكاً صغيراً في صفقة عقارات كبيرة مع كبير عائلة سالم، قبل أن ينسحب لأسباب أخلاقية، ما كلف آل سالم خسارة فادحة. كان آل سالم ينتظرون اللحظة المناسبة للانتقام، والآن، وجدوا ضالتهم في نجاح ابنه.
خيري لم يعد يواجه منافسة، بل تصفية حسابات عائلية قديمة. أصبح نجاحه هو الخيط الذي أعاد ربط الماضي بالحاضر.
الحدث الجديد:
بينما كان خيري يجهز ملفاته القانونية، زارته في البقالة فتاة شابة تدعى “ليلى سالم”، ابنة زعيم “المجموعة الفولاذية”. لم تأتِ لتهديده، بل جاءت متنكرة كعميلة تبحث عن موظف توصيل، لكن عينيها كانتا تراقبان خيري بدقة ممزوجة بـالإعجاب والتحذير.
“أتيت لأقول لك شيئاً واحداً يا سيد خيري،” قالت ليلى بصوت خفيض وهي تشتري علبة حلوى بلا مبالاة، “الطريق الذي تسلكه محفوف بالوحل. تراجع الآن قبل أن تبتلعك الأرض.”
رد خيري بابتسامة متعبة: “لا أستطيع أن أتراجع. هذا عملي.”
“حسناً… إذاً لا تقل إنني لم أنذرك.” قالتها ليلى وغادرت.